اسماعيل بن محمد القونوي

357

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( جبنتم وضعف رأيكم ) أصل الفشل الجبن ومنشأه ضعف الرأي ولهذا عطف قوله وضعف رأيكم عليه عطف العلة على المعلول . قوله : جبنتم وضعف رأيكم حتى للدلالة على أن اللّه تعالى نصرهم إلى هذه الغاية وهي عروض الجبن لهم وصدور العصيان عنهم فحين جبنوا انقطع زمان النصر وآل أمرهم إلى الرجوع عن موضع القتال فعلى هذا يكون حتى بمعنى إلى أن أو إلى حين ولا يكون إذا للشرط بل يكون بمعنى مجرد الوقت وأما إذا كان للشرط يكون الجواب محذوفا وعلى هذا القول اختلفوا في الجواب على وجوه الأول وهو قول البصريين أن جوابه محذوف تقديره حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أريكم ما تحبون منعكم اللّه نصره قالوا وإنما حسن هذا الجواب لدلالة قوله : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ [ آل عمران : 152 ] عليه الثاني وهو مذهب الكوفيين واختيار القراء أن جوابه هو قوله : وَعَصَيْتُمْ [ آل عمران : 152 ] والواو زائدة كما قال تعالى : فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ [ الصافات : 103 ، 104 ] فإن ناديناه جواب لما والواو مزيدة كذا هنا الفشل والتنازع صار موجبا للعصيان والعصيان مسبب عنهما مترتب عليهما ترتب الجزاء على الشرط وينصر هذا المذهب ما قال بعضهم أن مذهب العرب إدخال الواو في جواب حتى إذا بدليل قوله تعالى : حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها [ الزمر : 71 ] والتقدير فتحت لهم أبوابها الثالث أن جوابه صرتم فريقين إلا أنه اسقط لأن قوله : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [ آل عمران : 152 ] يفيد فائدته ويؤدي معناه لأن كلمة من للتبعيض فهي من تفيد هذا الانقسام الرابع أن الجواب هو قوله صرفكم عنهم والتقدير حتى إذا فشلتم وكذا صرفكم عنهم وكلمة ثم ههنا كالساقطة وهذا الوجه أبعد فعلى جعل إذا شرطية يكون حتى ابتدائية داخلة على الجملة وجملة الكلام ههنا ما قالوا إن حتى تجيء على وجوه ثلاثة أحدها أن يكون حرف جر وهي في معنى إلى لانتهاء الغاية إلا أن مجرورها يجب أن يكون شيئا ينتهي به المذكور قبلها نحو أكلت السمكة حتى رأسها فإن الرأس ينتهي به السمكة أو شيئا ينتهي عنده المذكور نحو تمت البارحة حتى الصباح فإن البارحة تنتهي عند الصباح وذلك لأن وضعها للدلالة على تقضي الفعل شيئا فشيئا إلى أن يأتي على الشيء المتعلق به فلا بد من انتهائه إليه ومجرور إلى لا يجب أن يكون بهذه المثابة كما في قوله تعالى : وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [ النور : 24 ] فإن الأيدي لا تنتهي بالمرافق ولا عندها وأما دخول مجرور حتى في حكم ما قبلها فجائز أن يكون وأن لا يكون كما في مجرور إلى والثاني أن يكون حرف عطف وهي في هذا الوجه جارية مجرى الجارة في تضمنها معنى الغاية وأن ما قبلها ينقضي شيئا فشيئا إلى أن يبلغ نهايته فلذلك وجب أن يكون مدخولها آخر جزء من المعطوف عليه إما أفضله أو أدونه لأن ابتداء الفعل إن اعتبر من الأدنى كان الانتهاء إلى الأفضل نحو مات الناس حتى الأنبياء وإن اعتبر من الأفضل كان الانتهاء إلى الأدنى نحو قدم الحجاج حتى المشاة والثالث أن يكون حرف ابتداء يستأنف بها الكلام نحو أكلت السمكة حتى رأسها مأكول إذا عرفت هذا فنقول حتى في قوله تعالى : حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ [ آل عمران : 152 ] ليست عاطفة لأن حتى العاطفة تجمع بين الأول والثاني في الحكم ولا اجتماع هنا فيه لأن قوله : صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ [ آل عمران : 152 ] كناية عن النصر إذ النصر مستلزم لصدق الوعد وعند الفشل لا نصر فهي إما حرف ابتداء أو حرف جر فإن كانت حرف ابتداء فلا بد أن يكون إذا شرطية وجوابها محذوفا وهو متعلق حتى إذا ليكون الواقع بعد حتى الابتدائية جملة وإن كانت حرف جر